الاستغفار

آثار الاستغفار

الخطبة الأولى:

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

جاء رجلُ إلى الحسن البصري يشكو إليه الجذب والقحط فأجابه قائلاً :"استغفر الله "، ثم جاءه رجلُ آخر يشكو الحاجة والفقر فقال له : "استغفر الله" ، ثم جاءه ثالثُ يشكو قلة الولد فقال له : "استغفر الله"،

فعجب القوم من إجابته فأرشدهم إلى الفقه الإيماني والفهم القرآني والهدي النبوي وتلا قول الحق جل وعلا: ]فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً(11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً[ (نوح:10-12)

تأمل - أخي المسلم - إلى هذا الفهم والفقه واليقين في إجابة هذا الإمام من أئمة التابعين ليس قولاً مجرداً ولا فلسفةً ولا هرطقة وإنما يقين ومعرفةُ وتجربةُ وتوكلُ واعتمادُ على الله سبحانه وتعالى.

فهل فكرت يوماً عندما يصيبك همٌ أو غمٌ، أو عندما تقع في مشكلةِ ومعضلة، هل فكرت في أن المخرج هو مد الحبال إلى الله -عز وجل- دعاءً وتوسلاً واستعانة وخفض الجبهة وتمريغها ذلاً وخضوعاً واستغفاراً واستكانة.

هل عرفنا مثل هذا النهج الذي كان عليه أسلافنا في واقع حياتهم ؟

تأمل كيف رأى الحسن البصري هذه الآية ورأى صدقها يقيناً في واقع الحياة فأرشد المسترشد، وأجاب السائل إجابةً موجزةً إيمانيةً واقعيةً لمن أيقن بها وصدقها : ]فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً(11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً[.

الخير عند الله في السماء يمسكه عن الناس لذنوبِ أحدثوها وفضائع وجرائم ارتكبوها ولولا شيوخ ركّع وأطفال رضع وبهائم رتع ومن يدعو الله -عز وجل- لحرم الناس القطرة ولأصيبوا بالسنين والجدب ولأنزل الله -عز وجل- عليهم السخط والعذاب.

من أين لك يا حسن البصري مثل هذا الفقه ؟ ..لقد تلقاه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أخذوا عن النبي عليه الصلاة والسلام الذي ترجم لهم القرآن ترجمةَ عملية.

فهذا الحديث يكشف لنا عن سرِ من هذه الأسرار وهو من رواية عليِ بن أبي طالبِ قال: كان الرجل يحدثني فأستحلفه على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثني أبو بكرِ -رضي الله عنه- وصدق أبو بكرِ قال أبو بكرِ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:)ما من رجلِ يذنب ذنباَ ثم يقوم فيتطهر فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله -عز وجل- إلا غفر له ثم تلا -عليه الصلاة والسلام- قول الحق جل وعلا: ]وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ([. (آل عمران:135)

هذه هي الآية القرآنية وهذا هو التقريب والتفيهم النبوي وهذه هي الرواية الصحابية وذلك هو الفهم التابعي وتلك هي الحياة الإسلامية التي تربط بالله -سبحانه وتعالى- وتدرك أن الأمور كلها مغاليقها ومفاتيحها وأسبابها ومنعها بيد الله سبحانه وتعالى.

فانظر -رعاك الله- إلى آثار هذا الاستغفار في دفع الرزايا والبلايا والمشكلات والمعضلات الدنيوية، وانظر إلى الأثر الذي ثبت في هذا الحديث من أثر الاستغفار في محو الذنوب والآثام وصقلها وإزالتها من صحائف المسلم بإذن الله عز وجل.

فإذاَ نحن في بابِ عظيمِ من أبواب نعم الله -عز وجل- وفي رحمةٍ واسعةٍ من رحمات المولى سبحانه وتعالى...فأين نحن منها؟، وأين فقهنا لنا؟، وأين ارتباطنا بها؟، وأين عملنا بمقتضياتها؟.

فوائد كثيرة ومنافع عديدة تفوتنا...نفرط فيها...نغفل عنها...نتجاهلها...تعصف بنا رياح الفتن، تمر بنا زينة الدنيا، نغرق في أوحال الشهوات، نتعثر في المعاصي والسيئات وننسى أحبال النجاة وننسى سبل السلامة التي جعلها الله -عز وجل- قريبةٌ منا وساقها إلينا وأهداها لنا لتظل القلوب موصولةَ به، لتظل الدموع تدرف خوفاَ وتضرعاَ وخضوعا، لتظل الجباه تسجد تضرعاَ واستكانةَ لله -سبحانه وتعالى - ليظل عند المسلم سلاح من الله سبحانه وتعالى يستعين به على أمور دينه ودنياه.

أثر عظيم من الآثار لهذا الاستغفار ورد في حديث أبي سعيدِ الخدري -رضي الله عنه- وهو عند الحاكم والطبراني بسندِ حسن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يقول إبليس لله -عز وجل- بعزتك وجلالك لا أبرح أغويهم ما رأيت الأرواح فيهم".

هذه مهمته وهذا قسمه الذي خلده القرآن بأن يغوي بني أدم :"بعزتك وجلالك لا أبرح أغويهم ما رأيت الأرواح فيهم " فيقول الحق جل وعلا :(فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني).

فهذا السلاح رد لكيد الشيطان في نحره وإغاضةُ له بفضل الله -سبحانه وتعالى- الذي ساقه لعباده المؤمنين وحرم منه ذلك الإبليس اللعين الذي تكبر عن الخضوع والذلة والصغار والاندحار لله رب العالمين.

فأنت كلما استغفرت الله -عز وجل- كأنما تسدد سهماَ أو تضرب بسيفِ بتار في إبليس عليه لعنة الله -عز وجل- فلا يصيب من المؤمن غرةً أو سهوةً أو غفلةً حتى يتذكر القلب المؤمن: ]إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ[ (الأعراف:201)

هذه اليقظة الإيمانية تدعوك إلى الاستغفار...تدعوك إلى أن تواجه هذا الشيطان اللعين بهذا العطاء الرباني وتلك المنحة الإلهية التي خص الله سبحانه وتعالى به عباده المؤمنين.

وأثرُ رابع عظيم ينتظره الإنسان في وقتٍ يكون فيه أشد احتياجاً إلى ما ينفعه بين يدي الله عز وجل...في وقتٍ تنقطع فيه الأسباب وتنعدم فيه الإعانة. يحتاج حينئذٍ إلى ذلك الاستغفار الذي لهج به لسانه، وخفق به قلبه، وظهر على سمته وخضوعه وخشوعه وخشيته من ربه. هذا حديث الزبير أخرجه الطبراني في الدعاء بسندٍ حسن والبيهقي بسندِ لا بأس به عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار).

من أحب أن تسره صحيفته يوم القيامة فليكثر فيها من الاستغفار، وعند ابن ماجه بسندِ صحيح وعند النسائي في عمل اليوم والليلة بسندِ صحيح أيضاَ عن عبد الله بن بسر -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراَ كثيرا).

كل ذلك من أقوال سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- وانظر إلى تطبيقه العملي فهذا حديث السنن يروي فيه الصحابة أنهم كانوا يعدون للنبي -صلى الله عليه وسلم- في المجلس الواحد أنه يقول: (أستغفرك وأتوب إليك في المجلس سبعين مرة وفي بعض الروايات مائة مرة).

وفي حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة). وفي بعض الروايات : (مائة مرة).

فلو تذكرنا -أحبتنا الكرام- هل نستغفر في يومنا وليلتنا مثل هذا العدد ؟. وهل استغفارنا لو استغفرنا مثل هذا العدد مثل استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟. وهل حاجتنا ونحن مثقلون بالذنوب والخطايا مثل حاجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للاستغفار وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟.

فقد كان -عليه الصلاة والسلام- دائماَ في عبادةِ وتقربِ وتضرعِ لله عز وجل وازديادِ في الخير فيستغفر إن لم يكن زاد في الخير لا يستغفر من ذنبِ وقع فيه، وقال بعض أهل العلم في هذا أيضاَ : " إنه السهو الذي ليس فيه عملُ باطل لكنه يستغفر أن لم يشغل كل وقتِ بطاعةِ وذكرِ واستغفارِ وتهليلِ وتسبيحِ لله عز وجل " .

وقيل أيضاً :

" إن هذا الاستغفار منه تشريع لأمته، تعليمُ لهذه الأمة التي يمتد أمدها إلى قيام الساعة أن تعلن دائماَ أنها ذات أوبةِ ورجعةِ إلى الله عز وجل، وأنها ذات طلبِ واستجداءِ واستعانةِ بالله سبحانه وتعالى".

وذكر في ذلك أيضاَ قولُ آخر وهو :

أن استغفاره -صلى الله عليه وسلم- استغفارُ لأمته ؛ فإنه كان -عليه الصلاة والسلام- دائم الدعاء لأمته ودائم السؤال لربه في حق أمته) … وقد جاء قول الحق سبحانه وتعالى : ]وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[ (محمد: من الآية19).

فهذا رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إنه لن يغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة).

وهذا التطبيق العملي يجعل القلب في انصقالٍ دائمٍ، وفي حياةٍ وارتباطٍ قوي بالله سبحانه وتعالى.

وانظر كذلك إلى الأثر العظيم المهم من آثار الاستغفار وهو دفع العذاب ورفع المصائب، مصداقاً لقول الله عز وجل: ] وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ (الأنفال:33).

وقد ورد في معنى ذلك آثار وأحاديث فيها ضعف لكن المعنى الذي في الآية واضح بين أن الاستغفار من أسباب رفع العذاب وعدم نزول نقمة رب الأرباب سبحانه وتعالى.

وهذا رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يبين هذا في حديثِ صحيحِ عظيم يخطئ بعض الناس فهمه ويسيؤن تصوره واستخدامه وهو حديثه عليه الصلاة والسلام الذي يقول فيه كما في صحيح مسلم : (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم ولجاء بقومِ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم).

ليس في الحديث دعوةُ لمقارفة الذنب والاستغفار من بعد، وإنما في الحديث تصويرُ لطبيعة الإنسان في غفلته ووقوعه في زلته وطبيعة ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن إذا وقع في الخطأ أن يبادر بالاستغفار ؛ فإن لم يفعل ذلك لم يكن متحققاً بمعنى العبودية...لم يظهر مظاهر التذلل والخضوع...لم يبتهل لرب الأرباب...لم يعظم ربه سبحانه وتعالى...لم يعرف حقيقة أسماء الله الحسنى التواب الغفار الرحيم. إلى غير ذلك من أسمائه العظيمة الجليلة الحسنة فلذلك جعل الله عز وجل بتبليغ رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن الغفلة عن هذا الاستغفار مع ما هو مقرر من طبيعة وقوع العبد من طبيعة غفلته أنها نوعُ مما يستحق به العقاب ونوع مما يظهر جحود أولئك القوم الذي لم يقروا ولم يظهروا ولم يبرزوا عبودية الله.

ألا ترى شعائر الإسلام وهي تعلن العبودية لله وتظهر تذلل العباد لله في صلاة الاستسقاء وفي الصلوات الخمس وفي غيرها من الأمور التي يريد الله عز وجل ويحب أن يظهر تذلل عباده له وتضرعهم إليه وابتهالهم وافتقارهم إلى ما عنده سبحانه وتعالى.

وأثر سابعُ أيضاَ يتعلق بهذا القلب الذي كثرة فيه في هذا العصر الظلمات وتكالبت عليه الشبهات، وغشيته الشهوات، وتزينت له المحرمات وواجهته كثيرٌ وكثير من الفتن العظيمة، كيف نحافظ على وضاءته ؟ كيف نحسن صيانته ؟. أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث الأغر من حديث أنسِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن العبد إذا أخطأ خطيئةَ نكتة في قلبه - أي جاء أثرها من سوادها وظلمتها وانعدام تأثر القلب بالآيات وانعدام تأثر القلب بالمواعظ والشواهد الحية في واقع الحياة - نكتة فيه نكت فإن نزع واستغفر صقلت فإن عادت زيد فيها حتى تعلو قلبه وذلك الران الذي قال الله عنه: ] كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ[).

فهذه فائدةُ عظمى من فوائد هذا الاستغفار أيضا، فنحن عندما نتأمل في هذه النصوص وفي تلك التطبيقات العملية في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام على ما كانوا عليه من الفضل والسبق في أعمال الخير وعلى ما كانوا عليه من الترفع من الدنايا والبعد عن الخطايا والبكاء على الذنوب ودوام التوبة والاستغفار، رأينا سوء حالنا وأدركنا خطر وضعنا فنحن الذين نكثر الذنوب وكأنا قد أمنا العقوبة عليها، ونلهو ونسهو عن التوبة والاستغفار وكأننا قد استغنينا عنها.

وهذا الحسن البصري يخاطبنا مرةً أخرى، ويقول مخاطباً لذلك الجيل الذي كان فيه ولذلك العهد لذي كان فيه من الخير والصلاح ما فيه يقول: " لقد أدركت أقواماً - يعني الصحابة الكرام رضوان الله عليهم - كانوا أخوف ألا تقبل منهم حسناتهم منكم من ان تحاسبوا على سيئاتكم " يقصد الذين يحدثهم: لستم في خوفِ من المحاسبة على السيئات وأنتم تعلمونها وأنتم ترونها وأنتم تقعون فيها، وقد كان القوم من قبلكم قد أمنوا هذا ؛ لأنهم لم يقعوا في تلك المعاصي ولكنهم عندهم خوفُ أعظم وهو ألا تقبل منهم الحسنات، فأين نحن من هذه القلوب الحية والمواقف التي كانت في سير أسلافنا رضوان الله عليهم، بل أين نحن من أمرِ أعظم وأجل من هذا، أين نحن من هذه الرحمة الواسعة والنعمة العظيمة التي يقدمها الله لنا ويسوقها إلينا ثم نغفل عنها كأن لا نعظم ربنا...كأن لا نفتقر إليه...كأن لا ندرك عبوديتنا له - سبحانه وتعالى - كأن قدر أدبرنا بظهورنا وأعرضنا بغفلتنا وسهونا وشهواتنا عن باب ربنا الذي فتحه لنا، وعن دعائه الذي دعانا إليه من الاستغفار والتوبة الدائمة إليه، ولذلك قد قال أهل العلم في معنى هذه الأحاديث إن الله - عز وجل - قد فتح الباب لعلمه بطبيعة العبد وأنه يحتاج إلى ذلك الاستغفار ؛ فإنه قد ورد في الصحيح عند الإمام مسلم : ( أن عبداً أذنب ذنباً فقال يا رب أذنبت ذنباَ فاغفرلي فقال الله - عز وجل - لملائكته: علِمَ عبدي أن له رب يغفر الذنب ويؤاخذ به فاستغفرني أشهدكم أني قد غفرت له، ثم أذنب ذنباَ فقال يا رب أذنبت ذنباَ فاغفرلي فقال الله - عز وجل - : علم عبدي أن له رب يغفر الذنب ويؤاخذ بالذنب أشهدكم أني قد غفرت له، ثم ثالثةَ فيعاد القول فليعمل عبدي ما شاء فإني أغفر له ) . . ( يا ابن أدم لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة ) .

لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه **** من جود كفيك ما علمتني الطلب

وهذا مصداق قول الله - عز وجل - في قصة أدم أن الله - عز وجل - هو الذي علّمه الكلمات: ]فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [ (البقرة: من الآية37).

علّمه الاستغفار حتى يغفر له.

فضل من الله سبحانه وتعالى عظيم لماذا ؟. لأنه يعلم طبيعة الإنسان وغفلته وما يقع منه من سهوِ : ]أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[ (الملك:14).

الخطبة الثانية:

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :

عباد الله أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زادِ يقدم به العبد على مولاه ؛ وإن من التقوى دوام الأوبة ومتابعة التوبة والإكثار من الاستغفار فإنها أبواب الرحمة الربانية التي فتحها سبحانه وتعالى فضلاً منه ومنةً على عباده ولم يجعل لذلك حداً ينتهى إليه ولا وقت يتوقف عنده فكيف بنا نغفل عن هذه الأبواب وعن هذه النعم, وكيف بنا نغفل فنغوص في أوحار المعاصي لا ندرك ما يوقفنا هذا الهوي وهذا الانزلاق ولا ندرك الأسباب التي بإذن الله عز وجل نتوصل بها إلى الاستمساك بأمر الله والاعتصام به من تلك الزلات ومن وساوس الشيطان ونزغات الهوى ومضلات الفتن.

قد جعل الله لنا سبل النجاة ورسم لنا طريق السلامة فأين نحن منها, قد غفلنا عنها والله سبحانه وتعالى قد جعل الفضل عظيما حتى لا يتاعظم مذنبَ ذنبه.

لكن هذا الاستغفار يحتاج إلى أن ندرك معانيه وأن نعرف حقيقته فإن الله عز وجل قد قال في سياق الآية القرآنية : ]وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا[ (آل عمران: من الآية135).

قال أهل العلم فيه دليلَ على أن الاستغفار المقبول هو الذي يقع به الإقلاع عن الذنب مع استحضار الندم في القلب والاستغفار باللسان .

وليس مجرد ذكر هذه الكلمات كما نسمع في أدبار الصلوات أصوات الصفير بحرف السين أس أس ولا نسمع استغفاراً يستحضره القلب ولا ندرك حقيقة ما نحن فيه من هذه المعاني .

وانظر إلى ذلك الاستغفار المأثور في أدبار الصلوات فهذه الصلاة لا شيء فيها يستغفر منه. إن الاستغفار يبين لنا حقيقتنا فنحن نستغفر في عبادتنا مما وقع فيها من تقصير وما وقع فيها من قصورِ عن الكمال ومما وقع فيها من غفلةِ وسهوة قلبِ وعدم استحضار المعاني التي يجب استحضارها في تلك الصلاة أو تلك العبادة.

وكل ذلك جبرَ وكل ذلك إعانةَ فإن في هذا الاستغفار تلك الفوائد العظيمة والمنافع الجليلة والأبواب الواسعة.

أخرج الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلالة أنه قال: (يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم لو لقيتني بقراب الأرض معصيةً ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة) .

فأي فضلِ أعظم من هذا، فهل يقابل هذا الفضل من الله بالاستهتار من العباد والغفلة ومزيد المعصية من المسلمين رغم ما أعطاهم الله عز وجل .

وانظر إلى جوامع كلم المصطفى صلى الله عليه وسلم كيف يجعلك تتعلم...كيف تستغفر الله ومن أي شيءِ تستغفر الله. إن بعض الناس اليوم إذا قلت له قل:

" استغفر الله " ، قال : وأي شيءِ فعلت ؟ .

سبحان الله ! أما كان في قلبك خاطر سوء...أما مرة بك نيةَ غير سليمة...أما تلفظت بكلمة غير حسنة...أما فعلت فعلاً...أما نظرت نظرةً، كلنا ذاك الرجل المذنب.

فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهذا الدعاء الخاشع الجامع الذي يرويه الإمام مسلم من حديث أبي موسى الأشعري عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعو فيقول :

(اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني اللهم أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيءِ قدير).

فنسأل الله - عز وجل - دوام المغفرة واجعلوا القلوب حجةً حاضرة واجعلوا لكل ذنبِ أو غفلةِ استغفاراً وتوبة فإن الله سبحانه وتعالى يقبل ذلك ويجعل من وراء ذلك خيراً في تفريج هموم الدنيا وتكثير أسباب الرزق فيها ويجعل من وراء ذلك خيراً في دفع العذاب ورفع المصائب عن المسلمين فإنهم ما استغفروا الله إلا رفع الله عز وجل عنهم من البلاء كما ورد في الأثر: إن الدعاء والقضاء ليعتلجان فيما بين السماء والأرض ؛ فإنه لا يرد القضاء إلا الدعاء بقضاءِ قد أحكمه الله - عز وجل - وكتبه في اللوح المحفوظ.

فانظروا - رحمكم الله - إلى ما تبتغون من أمور الدنيا ، وإلى ما يعرض لكم من مصائبها, فاعلموا أن أعظم الأسباب هي أسباب الطاعة وأسباب الإنابة والاستغفار لله سبحانه وتعالى .

يا كثير العفو عن من كثر الذنب لديه

جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرم لديه

أنا ضيفٌ وجزاء الضيف إحسانٌ إليه

والله - عز وجل - لا يخيّب من دعاه ولا يرد من رجاه ؛ لأنه - سبحانه وتعالى - قد فتح الأبواب ، وجعل رحمته أوسع وأعظم من غضبه وأسبق من غضبه سبحانه وتعالى .

لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي **** أريد لإســرافي فإني لتالف

منقول بتصرف، المصدر:

http://islameiat.com/main/?c=126&a=1222

------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

سيد الاستغفار

عنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي اللَّه عنْهُ عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: «سيِّدُ الاسْتِغْفار أَنْ يقُول الْعبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي، فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلاَّ أَنْتَ. منْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا، فَمـاتَ مِنْ يوْمِهِ قَبْل أَنْ يُمْسِيَ، فَهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، ومَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وهُو مُوقِنٌ بها فَمَاتَ قَبل أَنْ يُصْبِح، فهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ» رواه البخاري.

قوله: (سيد الاستغفار) ‏

‏قال الطيبي : لما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها استعير له اسم السيد, وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج, ويرجع إليه في الأمور. ‏

‏قوله: (أن يقول) ‏

‏أي العبد, وثبت في رواية أحمد والنسائي " إن سيد الاستغفار أن يقول العبد " وللترمذي من رواية عثمان بن ربيعة عن شداد " ألا أدلك على سيد الاستغفار " وفي حديث جابر عند النسائي " تعلموا سيد الاستغفار " . ‏

‏قوله: (وأنا عبدك) ‏

‏قال الطيبي: يجوز أن تكون مؤكدة, ويجوز أن تكون مقدرة, أي أنا عابد لك, ويؤيده عطف قوله " وأنا على عهدك " . ‏

‏قوله: (وأنا على عهدك) ‏

‏قال الخطابي: يريد أنا على ما عهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك وإخلاص الطاعة لك ما استطعت من ذلك. ويحتمل أن يريد أنا مقيم على ما عهدت إلي من أمرك ومتمسك به ومنتجز وعدك في المثوبة والأجر. واشتراط الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى.

قال وفي قوله " ما استطعت " ‏

‏إعلام لأمته أن أحدا لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله. ولا الوفاء بكمال الطاعات والشكر على النعم, فرفق الله بعباده فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم.

‏قوله: (أبوء لك بنعمتك علي) ‏

‏وأبوء معناه أعترف. ووقع في رواية عثمان بن ربيعة عن شداد " وأعترف بذنوبي " وأصله البواء ومعناه اللزوم, ومنه بوأه الله منزلا إذا أسكنه فكأنه ألزمه به.

‏قوله: (وأبوء لك بذنبي) ‏

‏أي أعترف أيضا. وقال الطيبي: اعترف أولا بأنه أنعم عليه, ولم يقيده لأنه يشمل أنواع الإنعام, ثم اعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها, ثم بالغ فعده ذنبا مبالغة في التقصير وهضم النفس. قلت: ويحتمل أن يكون قوله " أبوء لك بذنبي " أعترف بوقوع الذنب مطلقا ليصح الاستغفار منه, لا أنه عد ما قصر فيه من أداء شكر النعم ذنبا. ‏

‏قوله: (فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ‏

‏يؤخذ منه أن من اعترف بذنبه غفر له, وقد وقع صريحا في حديث الإفك الطويل وفيه "العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه". ‏

‏قوله: (من قالها موقنا بها) ‏

‏أي مخلصا من قلبه مصدقا بثوابها.‏

‏قوله: (ومن قالها من النهار) ‏

‏في رواية النسائي "فإن قالها حين يصبح".

‏قوله: (فهو من أهل الجنة) ‏

‏في رواية النسائي "دخل الجنة" وفي رواية عثمان بن ربيعة "إلا وجبت له الجنة".

قال ابن أبي جمرة: جمع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أنه يسمى سيد الاستغفار, ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية, والاعتراف بأنه الخالق, والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه, والرجاء بما وعده به, والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه, وإضافة النعماء إلى موجدها, وإضافة الذنب إلى نفسه, ورغبته في المغفرة, واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو, وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة, فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في ذلك عون من الله تعالى. وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة. فلو اتفق أن العبد خالف حتى يجري عليه ما قدر عليه وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة لم يبق إلا أحد أمرين: إما العقوبة بمقتضى العدل أو العفو بمقتضى الفضل, انتهى ملخصا. أيضا: من شروط الاستغفار صحة النية, والتوجه والأدب, فلو أن أحدا حصل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد لكن أخل بالشروط هل يستويان ؟ فالجواب أن الذي يظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط المذكورة, والله أعلم.

قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - : في قوله عليه السلام : "سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت". قد اشتمل هذا الحديث من المعارف الجليلة ما استحق لأجلها أن يكون سيّد الاستغفار، فإنه صدره باعتراف العبد بربوبية الله، ثم ثناها بتوحيد الإلهية بقوله: ((لا إله إلا أنت)). ثم ذكر اعترافه بأن الله هو الذي خلقه وأوجده ولم يكن شيئا، فهو حقيق بأن يتولى تمام الإحسان إليه بمغفرة ذنوبه، كما ابتدأ الإحسان إليه بخلقه.

ثم قال : "وأنا عبدك" اعترف له بالعبودية.

فإن الله تعالى خلق ابن آدم لنفسه ولعبادته، كما جاء في بعض الآثار: ((يقول الله تعالى: ابن آدم ! خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لأجلك، فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له)). وفي أثر آخر: ((ابن آدم ! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت لك برزقك فلا تتعب. ابن آدم ! اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء)). فالعبد إذا خرج عما خلقه الله له من طاعته ومعرفته ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، فقد أبق من سيده، فإذا تاب إليه ورجع إليه فقد راجع ما يحبه الله منه، فيفرح الله بهذه المراجعة. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم يخبر عن الله: ((لله أشد فرحا بتوبة عبده من واجد راحلته عليها طعامه وشرابه بعد يأسه منها في الأرض المهلكة، وهو سبحانه هو الذي وفقه لها، وهو الذي ردها إليه)). وهذا غاية ما يكون من الفضل والإحسان، وحقيق بمن هذا شأنه أن لا يكون شيء أحب إلى العبد منه.

ثم قال: "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت" فالله سبحانه وتعالى عهد إلى عباده عهدا أمرهم فيه ونهاهم، ووعدهم على وفائهم بعهده أن يثيبهم بأعلى المثوبات، فالعبد يسير بين قيامه بعهد الله إليه وتصديقه بوعده. أي أنا مقيم على عهدك مصدق بوعدك. وهذا المعنى قد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: ((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)). والفعل إيمانا هو العهد الذي عهده إلى عباده، والاحتساب هو رجاؤه ثواب الله له على ذلك، وهذا لا يليق إلا مع التصديق بوعده. وقوله ((إيمانا واحتسابا)) منصوب على المفعول له، إنما يحمله على ذلك إيمانه بأن الله شرع ذلك وأوجبه ورضيه وأمر به، واحتسابه ثوابه عند الله، أي يفعله خالصا يرجو ثوابه.

وقوله : "ما استطعت" أي إنما أقوم بذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب ما ينبغي لك وتستحقه علي. وفيه دليل على إثبات قوة العبد واستطاعته، وأنه غير مجبور على ذلك، بل له استطاعة هي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب. ففيه رد على القدرية المجبرة الذين يقولون : إن العبد لا قدرة له ولا استطاعة، ولا فعل له البتة، وإنما يعاقبه الله على فعله هو، لا على فعل العبد. وفيه رد على طوائف المجوسية وغيرهم.

ثم قال: "أعوذ بك من شر ما صنعت" فاستعاذته بالله الالتجاء إليه والتحصن به والهروب إليه من المستعاذ منه، كما يتحصن الهارب من العدو بالحصن الذي ينجيه منه. وفيه إثبات فعل العبد وكسبه، وأن الشر مضاف إلى فعله هو، لا إلى ربه، فقال: ((أعوذ بك من شر ما صنعت)). فالشر إنما هو من العبد، وأما الرب فله الأسماء الحسنى، وكل أوصافه صفات كمال، وكل أفعاله حكمة ومصلحة. ويؤيد هذا قوله عليه السلام: ((والشر ليس إليك)) في الحديث الذي رواه مسلم في دعاء الاستفتاح.

ثم قال : "أبوء لك بنعمتك علي" أي أعترف بأمر كذا، أي أقر به، أي فأنا معترف لك بإنعامك علي، وإني أنا المذنب، فمنك الإحسان ومني الإساءة. فأنا أحمدك على نعمتك، وأنت أهل لأن تحمد وأستغفرك لذنوبي. ولذا قال بعض العارفين: ينبغي للعبد أن تكون أنفاسه كلها نفسين: نفسا يحمد فيه ربه، ونفسا يستغفره من ذنبه. ومن هذا حكاية الحسن مع الشاب الذي كان يجلس في المسجد وحده ولا يجلس إليه، فمر به يوما فقال: ما بالك لا تجالسنا ؟ فقال: إني أصبح بين نعمة من الله تستوجب علي حمدا، وبين ذنب مني يستوجب استغفارا، فأنا مشغول بحمده واستغفاره عن مجالستك. فقال: أنت أفقه عندي من الحسن. ومتى شهد العبد هذين الأمرين استقامت له العبودية، وترقى في درجات المعرفة والإيمان، وتصاغرت إليه نفسه، وتواضع لربه، وهذا هو كمال العبودية، وبه يبرأ من العجب والكبر وزينة العمل. والله الموفق الهادي، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الماء في لسان العرب

الماء في لسان العرب

ما زلنا مع كتاب ((فقه اللغة وسر العربية)) من تأليف الإمام اللغوي أبي منصور عبدالملك بن محمد الثعالبي فهو حجة بالأمة في اللغة وأسرارها ومما جاء في فصوله: ((في أمطار الأزمنة)) يرويها عن حجتين في اللسان العربي هما: أبي عمرو والأصمعي قال:

((أول ما يبدو المطر في إقبال الشتاء فاسمه ((الحريف، ثم يليه الوسمي، ثم الربيع، ثم الصميم، ثم الحميم)). كما يروي عن العلامة ابن قتيبة: (( المطر الأول هو الوسمي، ثم الذي يليه الولي، ثم الربيع، ثم الصيف، ثم الحميم)).

فصل: في تفصيل أسماء المطر وأوصافه:

إذا أحيا الأرض بعد موتها فهو الحياء، فإذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة إليه فهو الغيث. فإذا دام مع سكون فهو الديمة، والضرب، برق ذلك قليلاً، والهطل فوقه، فإذا زاد فهو الهطلان، فإذا كات القطر صغاراً فهو القطقط، فإذا كانت مطرة ضعيفة فهي الرهمة، فإذا كانت ليست بالكثيرة فهي الغيبة والحنشة، فإذا كانت ضعيفة يسيرة فهي الذهاب والهيمة، قال رحمه الله: فإذا كان المطر مستمراً فهو ((الودق)) وهنا نذكر آيتين الأولى هي الآية ((43)) من سورة النور وهي قوله تبارك وتعالى: ]أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ[ أما الثانية فهي ((48)) من سورة الروم ونتلو منها آيات بعدها للإعتبار يقول تبارك وتعالى: ]اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ )48( وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ )49( فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ .

قال رحمه الله: ((فإذا كان يعني المطر ضخم القطر، شديد الواقع فهو الوابل)). ونحن هنا نذكر أن ((الوابل)) قد ورد ثلاث مرات في آيتين من سورة البقرة، ذلك قوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )264( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[ البقرة 264-265

د/ إبراهيم إسحاق

نشرة المياه والصرف الصحي اليمنية (العدد 32 نوفمبر 2007م)

ثلاثيات البيت السعيد

محاولة لقراءة جوانب السعادة في البيت المسلم . .
وذلك من خلال وقفات تأملية مع توجيهات النبوة ..

ثلاثيات البيت السعيد ....

الأسرة هي الحصن والمعقل الأخير للمجتمع المسلم إن لم تكن هي الحصن الأول والأخير - بله - !
فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع وصناعته وصياغته ، وبقدر ما تكون الأسرة مستقرة في أفرادها وما يحيط بها بقدر ما تكون حصنا منيعاً ، ومدرسة دفّاقة بالأمل والعمل .
إن من أهم مطالب الأسرة مطلب السعادة !
والحق أن السعادة ليست مطلب الأسرة فحسب ؛ بل السعادة مطلب كل مخلوق خلقه الله تعالى على وجه الأرض من الكائنات الحية !
فتجد كل يغدو في سبيل إسعاد نفسه وإسعاد من يعز عليه وتقر به عينه .
ومن هنا كانت هذه المحاولة للقراءة في بعض نصوص الوحي التي أشارت إلى عناوين ورسمت خطوطا في سبيل تحصيل السعادة وخاصة السعادة الأسرية . كتبتها على هيئة ثلاثيات ....
أخرج الحاكم في مستدركه عن سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أربع من السعادة المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء وأربع من الشقاوة الجار السوء والمرأة السوء والمسكن الضيق والمركب السوء ) .
وإنما اعتبرت فيها الجار من لوازم المسكن ، حيث يتأثر المسكن بالجار سلباً وإيجاباً فصار من المناسب جمعهما في قالب واحد .

وعلى هذا فتكون
ثلاثية البيت تتكون من :
1 - الأفراد .
2 - المسكن .
3 - المركب .

أولاً ثلاثية الأفراد :
1 - الزوج .
2 - الزوجة .
3 - الأبناء .


الزوج
ثلاثية الزوج :
1 - الدين .
2 - الخلق .
3 - القوامة .

* الدين
ثبت في الحديث الصحيح ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه ) فجعل الدين من أهم صفات الزوج السعيد .
والمتأمل يجد أن اشتراط الدين إنما حصل في نصوص الوحي من جهة الزوج ، أما من جهة الزوجة فإن الشريعة قد أباحت الزواج من الكتابيات ولا يجوز للمرأة أن تتزوج من غير مسلم مؤمن بالله . والحكمة في ذلك - والله أعلم - أن الزوج في الغالب الأعم هو الذي له القوامة والأمر والنهي وأن الزوجة تتأثر بزوجها سلباً وإيجابا في العموم الأغلب ومن هنا شُرع للرجال المسلمين الزواج من كتابيات لا العكس .
وسر السعادة في اختيار صاحب الدين : أن الحياة الزوجية قائمة على المشاركة والبذل والتفاني من هنا فإن الزوج صاحب الدين سوف يبذل ويتفانى في أن يكون وزوجته على استقامة مرضية في الدين ، والسعي إلى إكمال بعضهما الآخر ، كما أن صاحب الدين يلتزم أمر الله ونهيه في زوجته على أي حال في الرضا والغضب ، وفي اليسر والعسر . في الفرح والحزن ... وهكذا .
أضف إلى أن صاحب الدين ستنعكس تربيته لأبناءه على أساس هذا الدين لا على أي وجهة أخرى . ثم إن الشريعة لم تكتف باشتراط اتصاف الزوج بالدين حتى يضم إلى ذلك حسن الخلق :

* الخلق .
سبق في الحديث ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ) وفي بعض الروايات ( إذا أتاكم من ترضون أمانته ) والأمانة خُلق أخص من جملة الأخلاق ، وإنما ذكرت الأمانة دون غيرها في هذا الموطن : لأن الزوجة إنما هي أمانة عند زوجها ، فمن عُرف عنه صيانته للأمانة فإنه سيصون هذه الأمانة ويحفظها .
وأهم ما ينبغي أن يكون عليه الزوج من خلق مع زوجته أن يرعى فيها ثلاثة أمور :
مراعاة طبيعة تكوينها من الضعف والنقص :
فيصبر على ذلك فقد ثبت في الحديث الصحيح عند الشيخين : عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ) ( استوصوا بالنساء خيراً ) .
- حفظها ورعايتها ، والعشرة بالمعروف .
على حدّ قول الله تعالى : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) .
- أن يحقق فيها ( المودة والرحمة )
إن أحبها ودّها وقرّبها وحنا عليها ، وأظهر حبه لها مستغلاً في ذلك كل وسيلة وطريقة لبث روح الحب والمودة وإن كرهها رحمها ولم يهنها أويكفر عشرتها .
قال الله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }(21)
فإن الرجل يمسك المرأة أما لمحبته لها أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ومن هنا فإن مطلب الخلق إلى جنب الدين مطلب ملح ومهم في سبيل تحقيق السعادة الأسرية ، ولا ينفك أحدهما عن الآخر . ( إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ) فتنة تقع على الأفراد بالضياع وتبذّل الأخلاق .
وفساد بانتشار الفتن وتفكك البيوت والأسر وضياع الأبناء .
كل ذلك حين يتخلف أحد هذين الوصفين أوكليهما ( الدين والخلق )

· القوامة .
اختص الله جل وتعالى الرجل بخصيصة القوامة دون المرأة فقال جل وتعالى : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) القوامة التي معناها الأمارة والرئاسة والتأديب .
ولازمها النفقة بالمعروف والذب عن الزوجة وحفظها .؛ وتأمل التعبير بقوله ( قوّامون ) على صيغة المبالغة التي تدل على الأمر بالاجتهاد قي حفظ الزوجة ورعايتها وحسن تأديبها ومعاشرتها . وبذل المستطاع في سبيل حماية الأسرة .
والمتأمل البصير يجد أن القوامة ليست تشريف بقدر ما هي أمر وتكليف ، وحين يتخلى الرجل عن صفة القوامة لتبرز في الزوجة فإن الأسرة هنا يختل وضعها وأمرها ، لاختلال هذه الصفة في الرجل .
فالبيت السعيد هو البيت الذي تشعر فيه الزوجة بقوامة زوجها عليها وعلى أبناءها وبذله واجتهاده في ذلك . إذ فائدة القوامة راجعة إليها وإلى أبناءها ...
لكن حين تبقى قوامة البيت في يد المرأة فإنه ( لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة ) هذا على نطاق الأسرة وينجر ذلك على المجتمع والجماعات .!
ومن هنا كانت القوامة من أهم صفات الزوج الذي تكتمل به سعادة الأسرة باكتمال تحقيق أفرادها سبل السعادة .

رابط مهم :
http://www.naseh.net/vb/showthread.php?s=&threadid=14462


الزوجة
ثلاثية الزوجة
1- الصلاح .
2 - الجمال .
3 - اليسر .

· الصلاح .
وهو المطلب الأول في اختيار الزوجة التي تكون بها السعادة ؛ مطلب الصلاح .
وأهم ما يراد ويطلب في صلاح المرأة هو: صلاح دينها ، الأمر الذي ورد النص بالظفر به فقد اخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ) وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو عند بن ماجة يرفعه :لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن - أي يهلكهن - ولا تزوجوهن لاموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء ذات دين أفضل .
والله جل وتعالى قد جبل المرأة على الضعف والنقص وطبيعة الخَلْق من ضلع أعوج يحتّم على من يطلب السعادة الأسرية أن يبحث عن ذات الدين التي يمنعها دينها ويحجزها من أن تنجر على ضعفها وعوجها فلا ترعى حق الله في نفسها وزوجها وابناءها .
ومن جهة أخرى فإن صاحبة الدين تسعى لأن تبلغ وزوجها المرتبة العليا في باب الدين والتدين والصلة بالله .
والمشاهد أن المرأة أشد عاطفة في التدين والعبادة من الرجل، وهذا أمر نراه ملموسا في الواقع مما يعني أن اختيار صاحبة الدين الصحيح ايسر في سياستها ومعاشرتها من غيرها التي لا يردعها دين ولا خلق .

ولسائل أن يسأل : ما حكمة التنصيص على حسن الخلق في الرجل إلى جنب الدين،والسكوت عنه في المرأة والاقتصار على طلب ذات الدين ؟!
لعل الحكمة - والله أعلم - في ذلك تظهر في أمور:
- أنه لمّا كانت القوامة بيد الرجل وأنه صاحب الأمر والنهي في البيت والأسرة كان اشتراط حسن الخلق فيه آكد حتى لا ينتهي الأمر إلى سفيه أو مجترئ على حق ضعيفة حرّج على حقها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ( إني أحرج حق الضعيفين المرأة واليتيم ) . فصاحب الخلق اقرب لأن يرعى هذه القوامة بحقها .
- أنه لمّا كانت المرأة خُلقت من ضلع أعوج وأنها جُبلت على النقص والضعف كان التنصيص على طلب صاحبة الخُلق فيه مشقّة للجبلة التي جُبلت عليه . ومن جهة أخرى فإن نصوص الوحي التي جاءت تأمر المرأة بحفظ زوجها وحسن التبعّل له أكثر من تلك النصوص التي وردت في حقوق في جانب الرجال ، فكانت هذه التوجيهات والنصوص بمثابة التهذيب لخلق المرأة على عوجها ونقصها - والله أعلم - .

· الجمال .
والمراد بالجمال هنا جمال المظهر والمخبر .
فجمال المخبر بجمال الروح وشفافيتها ..
جمال العفة والطهر والحياء .. وهذا المقصود الأعظم من طلب الجمال في المرأة .
أن تكون طاهرة السريرة نقيّة عفيفة حيية ، تشكر على المعروف ،وتحسّن التبعل بالمعروف ، تقيم فرضها وتحفظ بيتها وترعى أبناءها ؛ جاء عند ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت ) فهذا النص النبوي قد أبان أصول جمال الروح عند المرأة :
- المحافظة على الفرائض .
- تحصين الفرج ( فيه كناية عن الطهر والعفاف ) .
- طاعة الزوج . ( حسن التبعّل له وعشرته بالمعروف ) .

ثم يأتي بعد جمال المخبر جمال المظهر ، وهو مقصد تكميلي لدوام العشرة والسعادة بين الزوجين .
فإن النفوس جُبلت على حب الجميل الذي تأنس به العين ويسكن إليه الفؤاد ، وفي هذا تغنّى الشعراء وتاه الأدباء - إلا من رحم ربك- والجمال من هذه الجهة في اصله لا يستطيع العبد أن يتصرّف فيه ، لكن الله تعالى أباح للمرأة أموراً تتجمل وتتزين بها لبعلها مما يزيد في حسن تبعلها ودوام الألفة بينها وبين زوجها .
وجمالها من هذه الجهة يكون في :
- أن تكون بكراً غير ثيّب .
فإن البكر أدعى للألفة والمحبة لما يكون منها من شدة الاهتمام والعناية بالتجمّل والزينة ، ولذلك جاءت السنة بالندب للتزوج من الأبكار : من حديث جابر رضي الله عنه ( فهلاّ بكرا تلاعبها وتلاعبك ) ( وتضاحكها وتضاحكك ) !
وقال صلى الله عليه وسلم ( عليكم بالأبكار فإنهن اسخن اقبالاً وأنتق أرحاما وأرضى باليسير من العمل ) !

- حسن التجمل والزينة في الهيئة .
ثم مع هذا - أي مع كونها بكراً - فإن على المرأة أن تعنى بهذا الجانب عناية خاصة من حسن التجمّل والزينة للزوج ، فإن المرأة بتكميلها لهذين الجمالين ( المخبر والمظهر ) تكون كنزا من كنوز الدنيا ، جاء في الحديث ( ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء : المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته ) .
فتأمل الوصف : ( إذا نظر إليها سرته ) ببشاشة وجهها وطلاقته ، وحسن هيئتها وجمالها ... هذا بمجرد نظره إليها تُسرّ نفسه وتأنس عينه فما بالك بما بقي !!!
وهاهنا ينبغي على الزوجة أن تعنى بجمالها وحسن هيئتها سيما في زمن أصبحت فيه بضاعة الشهوة والجنس الرخيص سائبة ، فإن المؤمن يحتاج في بيته ما يكفّ به بصره عن الحرام ، ويقنعه من أن يمدّ عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا !!
كما ينبغي على المرأة أن تحذر في هذا الباب من أن تنجر وراء لهاث الموضة والصرعة الأخيرة !!
فتكلّف نفسها أن تتزين بما حرم الله تعالى من تغيير خلق الله وتبديله بالنمص أو الوشم أو الفلج أو الوصل وغير ذلك من أمور التجميل التي يعود أثرها بالضرر المتحقق على الإنسان .

· اليسر ..
ثبت عند ابن حبان عن بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خيرهن أيسرهن صداقا ) ، وفي المستدرك عند الحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا ) والبركة تعني زيادة الخير ونماءه .
فالزوجة المتيسر أمرها وحالها أكثر وأعظم بركة ممن غلا صداقها وفحش .
وإنك ترى اليوم كيف يقضي الزوج حياته في تعاسة وشقاء بعد الزواج من جرّاء الديون المتكاثرة ..
إيجار في شقة فاخرة ..
وتقسيط لأكثر من سيارة..
وقرض من هيئات ومشاريع خيرية ..
كل ذلك ليستكمل المهر وليقيم حفلة زفاف تليق ( بالمحروسة ) ..
فأي سعادة هذه السعادة التي يجدها من يعيش همّ الدين بالليل وذلّه بالنهار ؟!!!
بل أي سعادة يجدها الزوج مع زوجة يشعر أنها هي سبب شقاءه وبلاءه ومصائبه !
وقد حصل لي وأن أطلعت على حادثة غريبة من نوعها ،حيث وجدت شابا مهر عروسه ( مبلغ خيالي ) !!!!
سألته : كيف تجد نفسك ؟!
فقال : والله لأخرجن هذه الآلآف من عيونها - يعني زوجته - !!
يقول هذا الكلام وهو بعد لم يتم زفافه ... فبالله عليكم ما حجم السعادة التي يحياها مثل هذا مع زوجة يرى أنها استنزفته حتى أفقرته !!!
وكم سمعت عن حالات طلاق تمّت بعد الزواج بأسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين ، ثم جلسات وجلسات في أروقة المحاكم لاستخلاص الحقوق والأموال الطائلة التي صرفت في زواج هذه المطلقة !!
ألا فليتق الله الآباء في مهور بناتهم ، فإن اشرف نساء العالمين أمهات المؤمنين رضي الله عنهن لم يكن مهر إحداهن يبلغ عشر مهر بناتنا في هذه الأيام ! بل كان صلى الله عليه وسلم يزوّج بالقرآن .
ومن هنا فمن أراد دوام السعادة الزوجية فعليه أن يبحث عن اليسيرة الميسّرة لتحلّ في بيته البركة التي أخبر عنها صلى الله عليه وسلم .
على أن صفة اليسر صفة نسبية تختلف من فئة لأخرى ، لكن تبقى صفة اليسر صفة يحسّها الزوج في زواجه وعشرته .

فالمرأة اليسيرة :
- يسيرة المهر والصداق .
- يسيرة الجَهاز والزفاف .
- يسيرة العشرة والألفة .
- يسيرة الطلبات والرغبات فلا تكلّف زوجها ما لا يطيق ، بل هي تعيش حياته متكيّفة مع حال زوجها قنوعة صبورة شاكرة حامدة .


الأبناء . .
ثلاثية الأبناء
1 - الصلاح .
2 - البر .
3 - الصحة .

· الصلاح .
صلاح الأبناء من أعظم مقاصد الشريعة في تكوين الأسرة المسلمة .
إذ الأبناء هم الجيل الذين تعوّل عليهم الأمة في صناعة مجدها وصياغة عزّها على نور من الوحي وهدى . وكما أن صلاحهم مطلب شرعي ، فهو أيضا قرة عين لآبائهم فالابن الصالح ثمرة خير وبركة على البيت المسلم .. آثاره في الواقع بيّنة بل ويمتد اثر صلاحه حتى بعد وفاة أبويه :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) فتأمل بركة صلاح الابن كيف تصل إلى أبويه حتى بعد موتهما وليس ذلك إلا للولد الصالح .
من هنا كان صلاح الأبناء من أعظم مطالب السعادة في الأسرة السعيدة .
ولذلك جاءت نصوص الشريعة متوافرة بالأمر برعاية الأبناء وحسن تربيتهم وتأديبهم .
قال الله تعالى : ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ) ؛ والولد مشغلة وفتنة كما قال الله : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) وثبت في الحديث ( الولد مجبنة مبخلة ) ولهذا عطف الله تعالى بقوله ( والباقيات الصالحات خير ) قال غير ما واحد من السلف أن الباقيات الصالحات هي : كل عمل صالح يقرب إلى الجنة .
وسر هذا العطف أنه لما كان الولد فتنة والإقبال عليه والتفرغ له والشفقة عليه والجمع له قد تشغل العبد عن المقصود الأعظم من حصول الأبناء نبه الله تعالى إلى الاشتغال بتربيتهم تربية صالحة وادخارهم للآخرة خير من تسمين عقولهم وخواء قلوبهم ... ولذلك يسمى الولد الصالح ( عملا صالحا ) قال الله تعالى في حق ابن نوح عليه السلام ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) !!
وبما أن الصلاح والهداية أمر بيد الله تعالى - ( إنك لا تهدي من أحببت ) - جعلت الشريعة بعض التدابير الوقائية التي تعين الوالدين على أن يسلك أبناؤهم طريق الهداية والصلاح ، فمن ذلك :

- حسن الاختيار .
أعني حسن اختيار الزوجة أو الزوج على ضوء الوصية النبوية التي جعلت أساس معيار الاختيار في أمرين ( الدين والخلق ) .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأبناء يتأثرون بدين آباءهم فعن أبي هريرة رضي الله أنه كان يحدث قال : النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ) ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه فطرة الله التي فطر الناس عليها الآية .

- الذكر عند اللقاء . .
فعن بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله فقال باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا )
قا ل ابن حجر رحمه الله : كثير ممن يعلم هذا الفضل العظيم يذهل عنه عند المواقعة والقليل الذي يستحضره . الفتح 9 / 229

-- الأذان في أذن المولود عند الولادة .. .
فعن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة ) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
فإن المولود عند خروجه يمسّه الشيطان فيستهل صارخاً لحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخا إلا مريم ابنة عمران وابنها إن شئتم اقرؤوا إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) .
من هنا ندرك حكمة الأذان في أذن المولود عند ولادته ، إذ من حكم ذلك تحصينه من الشيطان الرجيم ، لأن الشيطان إذا سمع الأذان ( ولّى وله ضراط ) !

- تربية الأبناء على الفرائض والآداب الشرعية في أحوالهم وحياتهم ... .
وإن من أهم ما ينبغي أن يغرسه الآباء في نفوس أبناءهم وأطفالهم :
- حب الله تعالى .
- حب الرسول صلى الله عليه وسلم .
- حب القرآن .
- أدب المعاملة مع الآخرين : ( الوالدين - الإخوان - الأقارب والأرحام - الناس على اختلاف طبقاتهم - الحيوان ) .

وقد جاءت الشريعة بوسائل تلك التربية فمن ذلك :
- ( مروا أبناءكم للصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر ) .
فتأمل كيف جعل سن السابعة سن الترغيب في الصلاة والتشجيع عليها ، فانظر لو أن طفلا بدأ يصلي من عمر السابعة في اليوم يصلي خمس صلوات ، وفي الأسبوع ( 35 ) صلاة ، وفي الشهر ( 140 ) صلاة وفي العام ( 1680 ) صلاة وفي ثلاثة أعوام ( 5040 ) مرة يصلي فيها فهل ترى من نشأ على ذلك يترك الصلاة حين يبلغ سن العاشرة ؟!!
- إظهار شعيرة الصلاة في البيت تعليماً لأهل البيت وشحذا للهمم . .
فالطفل بطبعه يحب أن يقلّد الكبار في أفعالهم ، من هنا جاء التوجيه النبوي الكريم ( صلوا في بيوتكم ) الأمر الذي يتحقق به تحصين البيت من الشيطان الرجيم ويحصل به تعليم أهل البيت وتربيتهم على ذلك.
- اصطحاب الأبناء للمسجد ومواطن العبادة .

الأمر الذي له بالغ الأثر في نفس الطفل حين يرى جموع المصلين تكبر مع الإمام وتصلي معه وتؤمن لتأمينه .
ومثل هذا ينبغي على الوالدين العناية به ،كما ينبغي على المجتمع أن يحترم ويقدّر هذا الطفل بالتشجيع والثناء وعدم زجره وتأنيبه لو أخطأ في مشاغبة أو نحوها في المسجد فإن الطفل من طبعه الحركة وكثرتها ، ولذلك ينبغي على الآباء والمجتمع أن ينمّو هذه الظاهرة بالتوجيه والتشجيع لا بالتأنيب والتقريع والتوبيخ .
فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينزل من على منبره ليحمل الحسن أو الحسين وكان الحسن أو الحسين يرتحله وهو ساجد فيطيل السجود .
الأمر الذي يدلنا على المنهج النبوي في تعويد الأطفال على طبيعة المسجد وما يكون فيه من الصلاة والعبادة .
ومن ذلك صحبة الطفل في حج أو عمرة أو إلى المسجد الحرام أو أي موطن للعبادة مما يولّد عند الطفل حبا وارتباطاً بمثل هذه المواطن وما يكون فيها من الشعائر .

- تعويدهم على الآداب الشرعية في أحوالهم وحياتهم ..
كاحترام الوالدين ، وإكرام الضيف ، وتربيتهم على الصدق وبغض الكذب ، وتعويدهم على الأذكار كأذكار الطعام والشراب والنوم والاستيقاظ والخروج من المنزل والدخول ....وتعليمهم على الشعور بالآخرين والعطف على الضعفاء والمساكين ... إلى غير ذلك من الآداب الشرعية التي يجدر بكل والد ووالدة مراعاتها في حال تربية الأبناء ، فإن البناء أمانة والوالدين قدوة !
فيالله كم هي سعادة المرء حين يكون أسعد الناس به من حوله من أهله وابنائه ...
وليت شعري كم هو شقي كل الشقاء من كان أشقى الناس به اقربهم إليه !!

- الدعاء . ..
فإن دعاء الوالدين لأبنائهم من أقرب الأدعية إجابة عند الله ، وذلك لما يقوم في نفس الوالدين أو أحدهما حال الدعاء من شدة الحرص والإشفاق وصدق اللجأ والطلب .
ومن هنا ينبغي أن نرعى ألسنتنا عند الدعاء فلا ندعوا على أبناءنا إلا بخير وعافية ، فرب دعوة توافق استجابة تكون بها سعادة الدنيا والآخرة .. ورب دعوة تحبط العمل وتعود على صاحبها بالحسرة والندامة .
وبعد هذا يبقى اثر القدوة والإقتداء في أن يسلك الأبناء حذو والديهم :
مشى الطاووس يوما باختيال : :: فقلّد نحو مشيته بنوه !!

· البر . .
وخلق البر خُلق أخصّ .
وإنما أفردته لالتصاق هذا الخلق بالأبناء ، ولأن البر من غايات طلب الولد .
فإن الوالدين إنما يطلبون الولد بغية البر بهما .
وعلى هذا الخلق ينبغي أن نربي أبناءنا وفلذات أكبادنا .. وتربيتهم على هذا الخلق يبدأ من ذواتنا نحن ، ومن خلال برنا نحن بآبائنا وأمهاتنا ؛ فكم سمعنا ونسمع عن حوادث العقوق المتسلسلة في عقود أحداثها المتشابهة في فصولها ، الأمر الذي يحتّم على كل والدين أن يبدؤوا بخاصة أنفسهم بالبر بآبائهم وأمهاتهم .
والمؤسف حقاً أن يتزوج الرجل وتتزوج المرأة ثم إنهم يغفلان عن البر بآبائهم ظنّاً منهم أنهم قد شبوا عن الطوق ولم يعد متعلق في ذمتهم البر بآبائهم بعد الزواج !
وهكذا تبقى سلسلة العقوق متصلة في العقب والذرية - نسأل الله الحماية - ولا يزال البيت يتجرّع مرارة الشقاء بسبب عقوق الآباء . وقد جاء في اثر : بروا آباءكم تبركم أبناءكم !!!
وفي سبيل تحصيل السعادة ببر الأبناء فهاكم أيها الآباء بعض الأمور المعينة على ذلك :
- العقيقة عن المولود ...
فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ولد له منكم مولود فأحب أن ينسك عنه فليفعل عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ) الحاكم في المستدرك . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ) .
فالعقيقة عن المولود وسيلة من وسائل تحقيق بر الأبناء وتجنيبهم العقوق .

- اختيار الاسم الحسن للمولود ....
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ويعجبه الفال الحسن .
ثم إن الاسم له اثر على شخصية حامله ، وبقدر ما يكون اسم الولد حسناً بقدر ما يجد اثر ذلك في بر الأبناء. فإن الابن قبيح الاسم يكبر وتكبر معه أحقاده على من تخيّر له اسم يُعيّر به وهذا أمر واقع - نسأل الله الحماية - .
وفي تربيتك لأبنك وطفلك :
- عوّد طفلك على احترام أبويه . فلا يرفع أحدكما صوته على الآخر أمام الأطفال الأمر الذي يُسقط قيمة الاحترام عند الطفل لأبويه أو أحدهما .كما لا تتعارض توجيهاتكما للطفل تعارضا يسقط هيبة أحدكما عند الطفل .
- كافئ طفلك على حسن بره ومساعدته لأبويه وسماعه للتوجيهات . فقد يقوم الطفل بمساعدة والدته في بعض شئون المنزل .. لا تجعلي هذا الموقف يمرّ دون مكافأة أو إشادة وحسن توجيه .
- لا تتغاضى عن خطأ الطفل في حق والديه ، فالطفل قد يسب والديه أو قد يرفع يده ليضرب أو يصفع !! لا تتجاهل هذا الخطأ ولا تجعله يمر عابرا كما لم يكن عابراً في بدايته !!
- أيها الوالدان أشعرا أبناءكم بالحب والقرب منهما ، فبقدر ما تنمى عاطفة الحب عند الطفل بقدر ما يستقيم على طريق البر والإحسان .
وحين يتحقق بر الأبناء بوالديهم فإن السعادة تغمر البيت كما لو كانت جنة من جنان الدنيا .
استشعر معي سعادة ذلك الإنسان الذي كان يغبق لوالديه اللبن ، وفي يوم تأخر عليهما بالغبوق فأدركهما وقد ناما فوقف على رأسهما حتى يستيقظا ليعطيهما غبوقهما وأطفاله من حوله يتضاغون كتضاغي صغار الطير من شدة الجوع وهو يؤثر أن لا يطعم الغبوق أحد قبل والديه !!
فيالله ما أجمل نغمات التضاغي .. ..
ويالله ما أعذب وأهنئ وامرئ الغبوق بعد شِبع الوالدين ....
وتأمل أثر هذا البر في واقع الحياة وكيف أنه بسبب ذلك فرّج الله عن هذا البار كربة من كرب الدنيا !!!
كم هي سعيدة تلك الأسرة التي تعيش بر أبناءها .

· الصحة ..
فإن من أعظم ما يدخل السرور والسعادة في البيت أن يكون الابن أو البنت في صحة وعافية .
فكم يكون البيت سعيداً حين ما يكون البناء في صحة وعافية .
الأمر الذي يعرف شأنه بقياسه بالضد ...
فكم يكون البيت كئيباً عند مرض الأطفال ...
فلا الليل ليل ولا النهار نهار !! يحس بهذا كل أب مشفق وأم حانية .
وقد ذُكر عن بعض السلف أنهم كانوا يهنئون من وُلد له ولد بسلامة المولود وأنه لم يكن معاقا أو معتوها ! بل كان بعضهم أول ما يسأل عنه عند ولادة المرأة : السؤال عن حال الطفل وصحته .
ومن هنا نجد أن بعض التوجيهات النبوية في حق المولود تشير من ضمن ما تشير إليه إلى أهمية حفظ الصحة للأطفال ؛ فمن ذلك :
- الندب إلى الأذان في أذن المولود .. الأمر الذي يكون له أثر نفسي على المولود بعد أن مسّه الشيطان عند خروجه
- إماطة الأذى عن رأس الطفل بحلق رأسه في يوم السابع ثبت عند الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه )
وقد كان أهل الجاهلية يضعون الدم على راس الطفل يوم سابعه فأمر صلى الله عليه وسلم بإبطال هذه العادة وأن يوضع على رأس الطفل الخلوق ، وهو نوع من أنواع الطيب .
- تحنيك الطفل له اثر إيجابي في رفع سقف الفم ( الحنك ) مما ييسر على الطفل سهولة رضاعة لبن الأم والاستفادة منه .
- تحصين الأطفال وتعويذهم بالأذكار والرقية الشرعية . ومن هذا : ما جاء من الأمر بكفّ الصبيان عند المساء فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشيطان ينتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم ) وعند البخاري : ( فإن للجن انتشارا وخطفة ) !
- الأمر بالختان فبالإضافة إلى أنه من شعائر الإسلام فهو أيضا له آثار صحية أثبتتها بحوث ودراسات وفحوصات طبية بيّنت أن الطفل المختون أحسن صحة من الطفل غير المختون .
- الرضاعة الطبيعية . فإن الله جعل من حق المولود أن ترضعه أمه حولين كامل ، ومن نافلة القول الإشارة إلى فوائد حليب الأم للطفل فقد أكدت الأبحاث أن الطفل الذي يرضع رضاعة طبيعية يكون أقل عرضة
للأمراض حتى وإن كان معرضا لمرض وراثي مثل السكر فالرضاعة الطبيعية تؤخر إصابته بنفس المرض. وقد استحدثت اليابان إجراءات تتبع في المدارس عند توزيع الأطفال في الفصول حيث خصصت فصولا للأطفال الذين تمت رضاعتهم طبيعياً باعتبار أنهم أكثر ذكاء. !
فلبن الثدي يتمتع بقيمة غذائية عالية ويسهل هضمه في أمعاء الطفل بالإضافة إلى أنه معقم طبيعياً وهو دائماً في درجة حرارة مناسبة للطفل صيفاً وشتاءً. كما أنه يحتوي على ما يسمى علمياًبالأجسام المضادة التي تساهم في زيادة مقاومة الطفل.
أضف إلى أن للرضاعة أثرا ايجابيا على صحة الأم نفسها وذلك من عظيم فضل الله ومنّته .

خلاصة القول : أن صحة الطفل واعتدال مزاجه مما يضفي على الأسرة سعادة تستذوق طعمها وتستعذبها كالماء العذب على الظمأ

وهنا ينتهي الكلام حول ما يتعلق بأولى ثلاثيات البيت السعيد . . ألا وهي ثلاثية الأفراد . . .


المسكن
ثلاثية المسكن . . !
1 - الواسع .
2 - البيت المحصن بالأذكار .
3 – الجار الصالح .

السكن هو ثاني أركان البيت السعيد .
ولقد امتن الله تعالى على عباده بنعمة السكن فقال : ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها واشعارها أثاثا ومتاعاً إلى حين ) .
فالسكن نعمة من نعم الله العظيمة التي نغفل - حقاً - عن قدرها وشكرها حق الشكر . بل إن البعض استخدم هذه النعمة فيما يبغض الله تعالى بأن أدخل فيها ما يفسد أخلاق أهلها ودينهم وعقيدتهم ، ومن المسلمين من جعل بيته قبراً ، ومنهم من جعلها بيتاً للجن والشياطين ، ومنهم من تطاول بها فخرا وكبرياءً ..وهكذا نلمس في الواقع عظيم جهلنا بنعمة السكن وغفلتنا عن الشكر الحقيقي لهذه النعمة الجليلة .
وتأمل عظيم هذه النعمة - نعمة البيت والمسكن - في أنها:
- تستر العورات .
- وتحمي من هوام الأرض ومطر السماء .
- الشعور بالأمن والاطمئنان فيها .
- حرز من السرّاق والقطّاع .
- نقضي بها معايشنا .
- نأمن فيها على أعراضنا وأطفالنا وأثاثنا ومتاعنا .

إلى غير ذلك من فوائد ( السكن ) التي لا يشعر بها ولا يجد لذتها إلا من فقدها .
وتأمل العجب في وصف الله تعالى له بـ ( السكن ) قال تعالى ( والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ) تسكن إليه أبدانكم ونفوسكم وتأنس بها ! فالسكون فيه معنى الهدوء والراحة والاطمئنان وقرة العين . ففرق بين البيت وبين السكن ، فمن البيوت مالا تكون سكناً بل تكون بيوت جحيم وشقاء وفزع وخوف - أجارنا الله وإياكم - فتأمل هذا واستشعر عظيم منّة الله عليك بهذا السكن .
وحتى يكون بيت الأسرة سكناً ( سعيداً ) وليكتمل به عقد السعادة الأسرية فإنه لابد أن يتميّز في ثلاث :
· المسكن الواسع .
ثبت في حديث سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه – السابق - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أربع من السعادة ) وذكر منها : ( المسكن الواسع ) فالسعة والوسع والتوسع أمر مباح في الشريعة دون مجاوزة به الحدّ .
والوسع في السكن أمر نسبي !
بمعنى أنه يختلف باختلاف الناس في نفوسهم وطبائعهم وأنماط حياتهم .
لكن تبقى صفة السعة صفة محمودة تجلب السعادة لأهلها ، وبقدر ما يوجد الوسع بقدر ما تزيد السعادة . والنفس مفطورة على حب السعة والتوسع ، فمن جوانب السعادة في المسكن الواسع أنه :

- ضرورة تربوية .
ففي المنزل الواسع بإمكان الوالدين أن يحققوا الأمر بالتفريق في المضاجع بين الأبناء .- على سبيل المثال -
ثم إن المسكن الواسع يساعد على تهذيب وتشكيل نفسية الأطفال تربويا كعامل مساعد :
لاحظ معي ذلك الطفل ذي الأربع السنوات كيف تكثر حركته بالمنزل !
فالطفل في هذه المرحلة العمرية بحاجة أن يبدد هذه الطاقة بكثرة الحركة واللعب ...لاحظ حين يكون المنزل واسعاً فسيجد الطفل الجو المناسب لتبديد هذه الطاقة ، كما أن والديه لن يحتاجا كثيراً إلى كثرة متابعته وتأنيبه على التكسير
وستختفي التربية السلبية نوعاً ما .. التربية التي تقوم على مبدأ ( لا ) !!
وفي المقابل لاحظ كيف يتغير أسلوب تربيتنا للطفل حين يكون المنزل ضيقاً :
اجلس لا تكسر ..
انتبه قد يقع عليك ..!
ألم اقل لك لا تلعب ؟!!!
كلها توجيهات سلبية قد تؤثر سلباً على تشكيل نفسية الطفل وخاصة في مثل هذه المرحلة من العمر والتي يسميها أصحاب علم نمو النفس ( مرحلة التمركز حول الذات ) !
الأمر الذي يجعل السعة في المسكن سر من أسرار السعادة .

- أضف إلى أن الوسع في المنزل مطلب جمالي . والله جل وتعالى ( جميل يحب الجمال ) .
ويبقى الجمال في السعة رونقا للسعادة حين لا يتعدى فيصل إلى غمط الناس والتفاخر والتعالي عليهم .
- ومع زيادة متطلبات الحياة . وتغير نمط الروتين في الحياة ؛ وتوسع دائرة المعارف والأحبة والأصحاب يجعل المسكن الواسع مطلب ملح وعلامة من علامات السعادة . .
غرفة للأطفال ، وغرفة للضيوف ، ومكتبة للكتب ، وصالة للطعام ، وغرفة للنوم ، ومخزن ..... وهكذا
على أنه ينبغي أن نلاحظ أن السعادة الأسرية لا تكتمل بالمسكن الواسع ، وإنما تكتمل باجتماع أسباب السعادة في جميع أركان الأسرة الثلاثة ( الأفراد - المسكن - المركب ) . على تفاوت في اعتبار أن بعضها أهم من بعض !
وإلا فكم من شقي في الدنيا وهو يسكن القصور ...
وكم من سعيد فيها وهو يسكن الدويرة والدور ..!!

· الحرز والتحصين من الشيطان الرجيم . .
الحرز والتحصين من الشيطان الرجيم أحد أسباب السعادة في المسكن .
لمّا كانت الأسرة هي نواة المجتمع ولبّه وأصل تكوينه حرص الشيطان أشد الحرص على إفساد هذه الأسرة وتفريقها وفك أواصرها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ؛ فعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا ) قال : ( ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته ) !!!
قال : ( فيدنيه منه ويقول نعم أنت ) قال : قال ( فيلتزمه )
من هنا عُلم أن من أهم أهداف إبليس : إفساد البيت المسلم وتصدّعه وتفرق أفراده .
فإن لم يستطع إلى ذلك سلك سبلاً أخرى في الإغواء وإفساد الأسرة بمحق بركتها وتزيين الرذيلة والفاحشة ، ليبقى كيان الأسرة هش البنيان فيعزل الأسرة عن أن تؤدي دورها الفاعل في المجتمع .
ولأجل ذلك ندبت الشريعة إلى مدافعة هذا العدو ومحاربته بالتحصن والحرز منه . فمن ذلك :
- قراءة سورة البقرة في البيت .
فعن عبد الله قال ( اقرؤوا سورة البقرة في بيوتكم فإن الشيطان لا يدخل بيتا يقرأ فيه سورة البقرة ) قال الحاكم :هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
فسورة البقرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة)
قال معاوية بلغني أن البطلة السحرة .
وإن من أشد الأزمات التي تعاني منها بيوت المسلمين اليوم معاناة السحرة وما يقومون به من إفساد البيوت ، ومن هنا كان هذا التوجيه النبوي الكريم حماية وسياجاً وحرصاً على سعادة البيت المسلم في ظل الوحي .

- الصلاة في البيت وقراءة القرآن .
فعن بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال( صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ) .
والمقصود تعاهد النوافل بأدائها في البيت ، فعن بن عمر رضي الله عنهما قال : حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح كانت ساعة لا يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين ) .
ومن مثل ذلك : ركعات الضحى ، وقيام الليل .وغيرها .
وصلاة النوافل بالبيت لها من الفوائد الجمّة سواء على البيت وعلى أفراده :
فهي حصن وحرز للبيت من الشيطان الرجيم .
كما أن من فوائدها تربية أهل البيت على إقامة الصلاة والمحافظة عليها .
وهذه إحدى السنن المهجورة التي غفلنا عنها ألا وهي سنة إقامة نوافل العبادات في البيت .

- إخراج كل ما يمنع دخول الملائكة من كلب أو صورة .
فعن أبي طلحة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة ) .
وبقدر ما يخلو البيت من المنكرات والملاهي المحرمة بقدر ما يبعد عنها الشيطان ولا يكون له فيها من حظ أو نصيب .
واليوم اشتد البلاء بدخول أطباق الفساد والفجور من غير حسيب ولا رقيب ،الأمر الذي يقطف المجتمع اليوم جناه حنظلاً مرّاً !!

- الذكر عند دخول المنزل .
فالشيطان حريص على أن يشارك أهل البيت في معاشهم ليمحق البركة وتقع الفتنة فعن جابر بن عبد الله رضي الهل عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله ثم طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء )

- قفل الأبواب عند المساء .
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من الليل فحلوهم فأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئا وأطفئوا مصابيحكم )

· الجار الصالح ..
وهو حقا عامل مهم في إيجاد البيت السعيد .، جاء في الأثر أربع من السعادة ومنها ( .. الجار الصالح ) .. ومن قبل القائل : الجار قبل الدار !!
وصلاح الجار أمر ليس بيد أي أحد .. لكن بمقدور الإنسان أن يختار الجار الصالح بالسؤال عن الجار قبل السكنى .
ولأهمية الجار الصالح فقد ندبت الشريعة إلى حسن اختيار الجار ، جاء في بعض الآثار ( شؤم الدار سوء الجار ) وجاء عند ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ( اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادي يتحول )
الأمر الذي يدعونا إلى حسن الجوار وحسن اختيار الجوار .
ولنتأمل هذه القصة العجيبة لنرى كيف أن للجار أثرا على جاره في سلوكه أو سلوك زوجته وابناءه .
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : " .. كنا معشر قريش قوما نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم قال وكان منزلي في بنى أمية بن زيد بالعوالي فتغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني ! فقالت : ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل !!
فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقالت : نعم !
فقلت : أتهجره إحداكن اليوم إلى الليل ؟!
قالت : نعم ! قلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا هي قد هلكت لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك يريد عائشة..)
فتأمل كيف أن الزوجة تأثرت بسلوك جاراتها حتى زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم . الأمر الذي يجعل الجار الصالح عاملا مهما من عوامل السعادة في البيت والأسرة .

أثر صلاح الجار على سعادة الأسرة .
وتبرز جوانب السعادة الأسرية في جانب الجار الصالح :
- أن الجار الصالح يحفظ العورة ويستر العيبة .
فالبيوت أسرار ، والجار من أقرب الناس للأسرة ، بل ربما قد يعيش أحداث جاره سرورا وفرحاً من خلال علاقته بجاره أو علاقة الزوجة بزوجة الجار أو علاقة الأبناء بعضهم ببعض .
فهذا ولاشك يجعل من الأسرة والجار بيتاً واحداً في معرفة ما يدور فيه ، سيما أن كثيرا من النساء اعتدن عند الزيارات أن تتحدث كل امرأة عن واقع بيتها سلباً وإيجاباً ولا أدل على ذلك من قصة حديث أم زرع حين اجتمعت إحدى عشر امرأة عند عائشة رضي الله عنها وصارت كل واحدة منهن تذكر شأنها وزوجها !
فحين يكون الجار صالحاً فإنه سيحفظ الغيبة ويستر العيبة .
ولكم أن تتخيلو حياة اسرة بجوار جار لا يستر العيبة ولا يحفظ الغيبة .. هل ترون أنها أسرة سعيدة ؟؟!
حتى لو كان أفرادها على قلب واحد ؟؟!!

- أن صلاح الجار يعين على نشوء الأبناء في بيئة صالحة .
فإن الأطفال يتأثرون بغيرهم ممن هم في سنّهم ومرحلتهم ، والأمر يتضح بالضد حين يكون الجار جار سوء وله أبناء سوء فانظر كيف يظهر أثر سوءهم في أخلاق الأبناء وسلوكهم . فإن الأطفال مطبوع فيهم حب التقليد لغيرهم .
ومن جهة أخرى فإنه من عادة الأطفال فيما بينهم الشجار والخصومة ، فحين يكون الجار جار سوء فإنه قد يعكّر عليك صفو حياتك بسبب ما يحدث بين الأطفال .

- الجار الصالح يعين على نوائب الدهر .
فقد تمر الأسرة بفاقة أو حاجة فيكون الجار خير معين بعد الله ، وقد جاء في الحديث الصحيح الترغيب في هذا الأمر :
قال صلى الله عليه وسلم ( لا تحقرن جارة لجارتها ولوفر سن شاة ) .

- الجار الصالح يعين على طلب العلم والدعوة .
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " .. كان لي جار من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك .."
وهكذا يتبن لنا دور الجار الصالح في تكميل السعادة واستقرارها على البيت المسلم . وفي سبيل رعاية هذا السعادة وحمايتها فإن الشريعة قد جاءت بالتحذير من كل ما من شأنه يؤثر على ذلك ، فمن ذلك :

- النهي عن إيذاء الجار .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ) .وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ) .

- الأمر بالتوسيع على الجيران .
فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا طبخت قدرا فكثر مرقتها فإنه أوسع للأهل والجيران ) .
فتأمل كيف جاءت توجيهات النبوة بالكفّ عن أذى الجيران والأمر إليهم بالإحسان كل ذلك حماية وسياجاً لإفشاء السعادة بين الناس وخاصة سعادة البيت المسلم .

اللهم إنا نعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول !!


المركب
ثلاثية المركب
1 - الهنيء .
2 - المتواضع .
3 - حصول المنفعة به .

1 - الهنيء .
الهنيء هو الوصف الذي ذكر في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ( أربع من السعادة : .. المركب الهنيء ) .
و( الهنيء ) صفة تطلق على الصلاح والعطاء واليسر والسهولة .
وهي صفات من فات السعادة ومداخلها .
فـ ( الهنيء ) هو الذي يأتيك بلا مشقة .
مشقة أي مشقة ..
فهو مركب حصل بغير مشقة في قيمته في البحث عنه ، ولم يكن باب مشقة في حفظه والعناية به ، والمقصود مشقة مرهقة أو مهلكة .
فكم تجد اليوم من يبذل نفيس ماله وحرّ رزقه في مركب فارهٍ مجهّز بأفضل التقنيات رغبة في شهرة أو أمر آخر .
فانظر مشقة هذا المركب في حصوله ، ثم انظر المشقة الحاصلة بحفظه والعناية به فسبحان الله كيف أن من الناس من يصيبه العناء والتعب والشقاء في مركب يبذل فيه نفسه ونفيسه ثم هو يشقى به ولا يسعد !!
ومن هنا فرفاهية المركب وفخامته ليس بالضرورة آية سعادة وهناء .
بل ربما كان صاحب هذا المركب من أشقى الناس بمركبه .
ثم انظر في مركب هذا شأنه كيف يحجز صاحبه من أن ينفع به وأن يعطي به العطاء الكثير خوفاً من تلفه أو نحو ذلك .
فكان المركب الهنيء هو المركب الذي يأتي بلا مشقة في حصوله ولا مشقة في حفظه وانشغال القلب به .. ثم هو مركب ( هنيء ) يحصل به العطاء الكثير لصاحبه ولغيره .

- 2 - المتواضع ..
لمّا كان المركب مما يُتخذ للتجمل كما قال الله تعالى : ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) وقال والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) فإنه صار من المتعين على المرء أن يعلم أن هذه نعمة من الله وفضل . وواجبه فيها الشكر لا الكبر . ولك أن تتأمل عظيم منّة الله تعالى على عباده بهذه النعمة في قوله : ( والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون . لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنّا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون )
فتأمل كيف أن الله جعل المركب مسخّر للعبد لا أن العبد مسخر له ، ولذلك تعجب أشد العجب ممن تجده سخّر نفسه للمركب عناية وتلميعا والشقاء في سبيل ذلك .
وتأمل أيضا قوله ( وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) فيه تذكير وتنبيه إلى أن العبد منقلب إلى الله وراجع إليه فعلام الكبر والبطر ؟!
وحين كان جمال المركب مظنة التفاخر والتكبر ، فقد نهى صلى الله عليه وسلم من اتخاذ مركب الشهرة .جاء في مسند الروياني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ركب مركبا ذا شهرة أعرض الله عنه وإن كان عليه كريما )
وأي شقاء يكون للعبد حين يعرض الرب الرحيم الكريم عنه ؟!
وكم هي سعادة المرء حين يكون الله في معيته .
والإنسان يحتاج إلى معية الله تعالى وحفظه له ، فإننا اليوم نعيش ثورة حضارية جعلت المركب اليوم يختلف عما كان عليه من قبل ؛ فقد صارت مراكب اليوم مراكب سريعة وبأشكال وموديلات ومميزات تختلف عن ما يكون الحال في بعير أو فرس !
فإنك تقضي اليوم المسافة من مدينة إلى أخرى بأسرع وقت وبأقل تكاليف من المشقة والتعب ، ولمّا كانت هذه الوسائل الحديثة فيها مظنة الهلاك في حادث أو نحوه فإن العبد هنا يحتاج أن يتواضع في مركبه ليكون الله في معيته .
هذا جانب من جوانب السعادة في باب التواضع في المركب .
ونقرأ في السيرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركب مرة( برذوناً ) فأنكر نفسه فنزل من عليه وقال : إنما يركب هذا من لا خلاق له !! وذلك لما أحس في نفسه من التغيير ورؤية النفس !!

3 - حصول المنفعة به .( ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ).
قال الله تعالى الله الذي جعلكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون . ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون )
فإن من غايات المركب أن تحصل به المنفعة من حمل الأثقال والتنقل كما قال الله تعالى : ( وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم ،والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة )
ومن أعظم المنافع التي تُحصّل بما سخره الله تعالى لعبده من المركب : استخدامه في الطاعة والمعروف :
- إغاثة ملهوف .
- المشي به في سبيل الله جهادا في طلب علم أو ضرب في الأسواق للرزق ..وهكذا..
ولذلك أثر عن بعض السلف أن من شقاء المركب أن لا يستخدم في جهاد أو طاعة!!
وتأمل عظيم فضل الله كيف أن حصول المنفعة من المركب تعطي البيت سعادة ورخاء من جهة حصول منافع أهل البيت بهذا المركب
وخصوصا في مثل زماننا الذي صار المركب فيه وسيلة من وسائل إدخال السرور والسعادة على البيت المسلم . سيما والحاجة إليه ملحّة بسبب تباعد الأوطان ، وتعدد الحاجيات واختلافها .
فبه يسافرون في أمن ورخاء ..
وبه يتنقلون من مكان لآخر في يسر وستر .
وبه يُنقذ مريضا - بإذن الله - ... وهكذا..
آما حين يكون المركب عاطلا متعطلا لا تحصل به منفعة ولا تتحقق به مصلحة فسيكون حينها مدخل تعب وضنك على أهل بيت مركبهم لا تحصل به منفعة والواقع يشهد بذلك .

اسأل الله أن يرزقنا وإياكم حياة سعيدة هنيئة في ظل طاعته ، وان يصرف عنّا وعنكم السوء والفحشاء .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


ناصح للسعادة الأسريـــة


( 3 ) ثلاثيات البيت السعيد ( 3 )


مهذب أبو أحمد


منقول